محمد الضيف on Nostr: هل السنّة النبوية وحي؟ مشكلة منكري حجّية ...
هل السنّة النبوية وحي؟
مشكلة منكري حجّية السنّة وأنّها وحي أنّهم يطابقون بين مفردات مختلفة بغير دليل، وهي "البلاغ" و"الوحي" و"الرسالة"، فيجعلونها كلّها بمعنى "القرآن"، فإذا أثبتوا أنّ غاية الرسول صلى الله عليه وسلم "البلاغ"، وأنّه لا يتّبع إلّا ما "أوحيَ إليه"، وأنّه "رسول" أي حامل لرسالة؛ ظنّوا أنّهم بذلك أثبتوا حصر البلاغ والوحي والرسالة في القرآن، مع أنّه لا يوجد ما يلزم بذلك.
وقد أوحى الله عزّ وجلّ لرسوله بفرضية الصلاة: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}، وبيّن له أحكامها كعددها وأوقاتها وعدد ركعاتها وغير ذلك، كما قاله له سبحانه: {ثم إنّ علينا بيانه}، أي بيان القرآن، ومنه بيان هذه الأحكام المجملة كالصلاة والزكاة والحج وغيرها. فهذا البيان وحيٌ متواتر، وهو ليس في القرآن، ولا شكّ أنه ليس اجتهادًا من الرسول صلى الله عليه وسلّم، فهو لا يتقوّل على الله شيئًا من الدين بهواه: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}.
وقد نسب الله عز وجل إليه التحريم كما في قوله تعالى: {وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}، وهو صلى الله عليه وسلّم لا يحرّم بغير وحي، وهذا التحريم كما توضّح الآية زيادة على ما حرّمه الله.
وهو يحدّد قبلة الصلاة الأولى، وهي من صميم الدين ومهامّ الوحي، قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}، ولا نجد في القرآن تحديد تلك القبلة الأولى، فكانت مما أوحاه الله إليه في غير القرآن.
وتأمّل هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}
فحين نفى الله عزّ وجلّ طاعة أولي الأمر في مقام المرجعية المعيارية الثابتة عند الاختلاف أبقى على رسوله صلى الله عليه وسلّم، فطاعته ليس من الطاعة السياسية أو القضائية المرتبطة بعصره فحسب، بل هي طاعة مرجعية معيارية لأنّ مادتها الوحي.
وتدبّر هذه الآية: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ}.
كيف بيّن سبحانه أنّ طاعته عليه الصلاة والسلام حاملة لمادة الهداية، وهي رسالة الوحي، فالوحي "هدى". ثم أعقب ذلك بأنّ هذا من "البلاغ المبين"، فهو يبلّغ عن الله عزّ وجلّ سواء في تلاوة الكتاب {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ}، أو في تعليم الكتاب وتعليم الحكمة وتعليمنا ما لم نكن نعلم زيادة على ما في الكتاب: {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}.
وهو صلّى الله عليه وسلّم لا يعلّم من عنده، بل بما علّمه الله: {وَأَنزلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}، فهذا العلم بالدين الذي يعلّمنا إيّاه وليس منصوصًا عليه في كتاب الله هو من الوحي.
أما ما يقوله بعض الجهلة من أن طاعة الرسول في مثل قوله تعالى {وأطيعوا الله والرسول} تعني اتباع ما جاء في كتاب الله فهو من الجهل بالعربية!
فلو قال سبحانه "وأطيعوا الله" لكفانا ذلك لو كان الأمر متعلّقًا باتّباع كتاب الله وحده دون سنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، أي إنّ قوله "وأطيعوا الله" سينقل معنى الالتزام بما في كتاب الله. ولكنّه أضاف إليها "والرسول"، وليس ثمّة كلمة في كتاب الله تضاف زيادةً بلا معنى، فيبطل بذلك قول من قال: "إنّ المقصود طاعة الرسول باتباع الكتاب"، فلم يُضف هذا الزعم معنى زيادة على الأمر بطاعة الله.
ويبطُل أيضًا قول من قال: إنّ طاعته المقصودة هي في حياته باعتباره قائدًا وزعيمًا لا بعد وفاته؛ لأنّ الطاعة مرتبطة بوصفه "رسولًا"، أي بمضمون "الرسالة"، والرسالة غير متعلّقة بزمانه بل هي للعالمين ولجميع الأزمنة كما هو معلوم في كتاب الله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ}. ومن ثمّ تكون طاعة الرسول التي أمِرنا بها هي طاعة شرعيّة دائمة بعد وفاته لِما هو زيادة على كتاب الله من تعليم الرسول صلى الله عليه وسلّم للكتاب، أو زيادة تفاصيل لا نعلمها من الكتاب مما يوحي الله إليه به، فهي من "الرسالة" كما تُلزِمنا الآية.
ويبطُل بذلك أيضًا قول من قال إنّ "الرسالة" تعني "القرآن" فحسب، فلا إلزام بذلك، ومنطوق الآية ومفهومها يفنّده، ولا يحقّ لأحد أن يُلزم ربّنا تبارك اسمه بأن يوحي إلى نبيّه ما شاء في القرآن فحسب ولا يوحي إليه بغير ذلك، فهذا من التعدّي على مشيئة الله وتقديره سبحانه.
شريف محمد جابر
Published at
2026-03-25 13:27:19 UTCEvent JSON
{
"id": "c306d5786c1a443e6b0203cebf548e5025e65d648bf03f2f1f5bba077b7e71db",
"pubkey": "ebd9efd561c6ec25ab0ff09949e58edfd8e6d723a910140381e9b3eb0571fb00",
"created_at": 1774445239,
"kind": 1,
"tags": [
[
"proxy",
"https://bassam.social/objects/fdb05aa3-40e6-491e-acf2-6f72c168ed26",
"activitypub"
],
[
"client",
"Mostr",
"31990:6be38f8c63df7dbf84db7ec4a6e6fbbd8d19dca3b980efad18585c46f04b26f9:mostr",
"wss://relay.ditto.pub"
]
],
"content": "هل السنّة النبوية وحي؟\n\nمشكلة منكري حجّية السنّة وأنّها وحي أنّهم يطابقون بين مفردات مختلفة بغير دليل، وهي \"البلاغ\" و\"الوحي\" و\"الرسالة\"، فيجعلونها كلّها بمعنى \"القرآن\"، فإذا أثبتوا أنّ غاية الرسول صلى الله عليه وسلم \"البلاغ\"، وأنّه لا يتّبع إلّا ما \"أوحيَ إليه\"، وأنّه \"رسول\" أي حامل لرسالة؛ ظنّوا أنّهم بذلك أثبتوا حصر البلاغ والوحي والرسالة في القرآن، مع أنّه لا يوجد ما يلزم بذلك.\n\nوقد أوحى الله عزّ وجلّ لرسوله بفرضية الصلاة: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}، وبيّن له أحكامها كعددها وأوقاتها وعدد ركعاتها وغير ذلك، كما قاله له سبحانه: {ثم إنّ علينا بيانه}، أي بيان القرآن، ومنه بيان هذه الأحكام المجملة كالصلاة والزكاة والحج وغيرها. فهذا البيان وحيٌ متواتر، وهو ليس في القرآن، ولا شكّ أنه ليس اجتهادًا من الرسول صلى الله عليه وسلّم، فهو لا يتقوّل على الله شيئًا من الدين بهواه: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}.\n\nوقد نسب الله عز وجل إليه التحريم كما في قوله تعالى: {وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}، وهو صلى الله عليه وسلّم لا يحرّم بغير وحي، وهذا التحريم كما توضّح الآية زيادة على ما حرّمه الله.\n\nوهو يحدّد قبلة الصلاة الأولى، وهي من صميم الدين ومهامّ الوحي، قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}، ولا نجد في القرآن تحديد تلك القبلة الأولى، فكانت مما أوحاه الله إليه في غير القرآن.\n\nوتأمّل هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}\n\nفحين نفى الله عزّ وجلّ طاعة أولي الأمر في مقام المرجعية المعيارية الثابتة عند الاختلاف أبقى على رسوله صلى الله عليه وسلّم، فطاعته ليس من الطاعة السياسية أو القضائية المرتبطة بعصره فحسب، بل هي طاعة مرجعية معيارية لأنّ مادتها الوحي.\n\nوتدبّر هذه الآية: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ}.\n\nكيف بيّن سبحانه أنّ طاعته عليه الصلاة والسلام حاملة لمادة الهداية، وهي رسالة الوحي، فالوحي \"هدى\". ثم أعقب ذلك بأنّ هذا من \"البلاغ المبين\"، فهو يبلّغ عن الله عزّ وجلّ سواء في تلاوة الكتاب {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ}، أو في تعليم الكتاب وتعليم الحكمة وتعليمنا ما لم نكن نعلم زيادة على ما في الكتاب: {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}.\n\nوهو صلّى الله عليه وسلّم لا يعلّم من عنده، بل بما علّمه الله: {وَأَنزلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}، فهذا العلم بالدين الذي يعلّمنا إيّاه وليس منصوصًا عليه في كتاب الله هو من الوحي.\n\nأما ما يقوله بعض الجهلة من أن طاعة الرسول في مثل قوله تعالى {وأطيعوا الله والرسول} تعني اتباع ما جاء في كتاب الله فهو من الجهل بالعربية!\n\nفلو قال سبحانه \"وأطيعوا الله\" لكفانا ذلك لو كان الأمر متعلّقًا باتّباع كتاب الله وحده دون سنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، أي إنّ قوله \"وأطيعوا الله\" سينقل معنى الالتزام بما في كتاب الله. ولكنّه أضاف إليها \"والرسول\"، وليس ثمّة كلمة في كتاب الله تضاف زيادةً بلا معنى، فيبطل بذلك قول من قال: \"إنّ المقصود طاعة الرسول باتباع الكتاب\"، فلم يُضف هذا الزعم معنى زيادة على الأمر بطاعة الله.\n\nويبطُل أيضًا قول من قال: إنّ طاعته المقصودة هي في حياته باعتباره قائدًا وزعيمًا لا بعد وفاته؛ لأنّ الطاعة مرتبطة بوصفه \"رسولًا\"، أي بمضمون \"الرسالة\"، والرسالة غير متعلّقة بزمانه بل هي للعالمين ولجميع الأزمنة كما هو معلوم في كتاب الله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ}. ومن ثمّ تكون طاعة الرسول التي أمِرنا بها هي طاعة شرعيّة دائمة بعد وفاته لِما هو زيادة على كتاب الله من تعليم الرسول صلى الله عليه وسلّم للكتاب، أو زيادة تفاصيل لا نعلمها من الكتاب مما يوحي الله إليه به، فهي من \"الرسالة\" كما تُلزِمنا الآية.\nويبطُل بذلك أيضًا قول من قال إنّ \"الرسالة\" تعني \"القرآن\" فحسب، فلا إلزام بذلك، ومنطوق الآية ومفهومها يفنّده، ولا يحقّ لأحد أن يُلزم ربّنا تبارك اسمه بأن يوحي إلى نبيّه ما شاء في القرآن فحسب ولا يوحي إليه بغير ذلك، فهذا من التعدّي على مشيئة الله وتقديره سبحانه.\n\nشريف محمد جابر",
"sig": "0fb6c367743e01c6acf21c93591039d9a38ec2b721a04da0635ef183837c09d67254b922e10a8fe59ab470ca9398ccd33269a28e758cd8f2eaf8391c3970425a"
}