Join Nostr
2026-03-24 18:44:40 UTC

محمد الضيف on Nostr: بَابٌ اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ ...

بَابٌ اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ
عَنْ جُنْدَبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ النَّبِيُِّ ﷺ: «اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ».
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ آيَةً وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ خِلَافَهَا، فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَخْبَرْتُهُ فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ، وَقَالَ: كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ -وَفِيْ رِوَاْيَةٍ: فَاقْرَآ-، وَلَا تَخْتَلِفُوا؛ فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا».

الفوائد المستنبطة من الحديث:

1- هذه أحاديث عظيمة ومهمة جداً ومنهجية، وينبغي أن يعتنيَ بها المصلحون عنايةً كبيرة، وقد بوَّب الإمامُ البخاري على حديث جندَب: "بَاْبُ كَرَاْهِيَةِ الْخِلَاْفِ".
فإذا كان القرآن، الذي هو أعظم كتاب، وهو الوحي والحق، سيؤدي إلى اختلاف فيما بين قرائه؛ فليقوموا عنه ولا يقرؤوه!. وهذا الخلافُ ذكر بعضُ العلماء أنه اختلافٌ في فهمِ القرآن، ذكره ابن حجر، والمقصودُ ليس الخلافَ العلمي العادي المتعلق في رأيٍ معينٍ أو تفسير آيةٍ ما، وإنَّما الخلاف الذي يحمل صورة الخصومة والنزاع.

فالنبي ﷺ يريد أن تأتلف القلوب على هذا الكتاب، فمقصد اجتماع كلمة المؤمنين وعدم اختلافهم في الدين مقصدٌ عظيمٌ وشريفٌ جداً، وقد جاءت مجموعة من النصوص المحذرة من التفرق للدنيا ومن التنازع والتحاسد والتباغض، لكنَّ الذم هنا على الاختلاف في الدين، ففي رواية عن ابن عمر: "إِنَّمَاْ هَلَكَ مَنْ كَاْنَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلَاْفِهِمْ فِيْ الْكِتَاْبِ."(¹)

2- إذا كان النبي ﷺ قال: "فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ" أي: القرآن، فما بالنا فيمن يولد مسائل تؤدي إلى الخلافات والخصومات والجَدَل بين الناس في الدين في قضايا ليست مركزية في الدين ولا في الإسلام، ولا هي من معاني الدين الكبرى، ومن الأمثلة على ذلك: الكلام في أبي حنيفة وتضليله وتبديعه، بعد كل تلك القرون التي اجتمعت فيها الأمة على أبي حنيفة، وإجماع الأئمة الأربعة على ذلك، واستمرار عمل أهل السنة على هذه المذاهب الأربعة وما يتعلق بها.
فما الذي يستفيده شخصٌ اليوم من إثارة الجدل حول شخص أبي حنيفة؟ ما الذي سيتحقق من مصلحة دينية؟

لو كان النبي ﷺ قال: "اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ"، فكيف بالمسائل المتعلقة بأشخاص؟
والقضيةُ ليستْ متعلقةً بناسٍ يعيشون اليوم ويفسدون في دين الله سبحانه وتعالى كبعضِ المحرِّفين للدِّين أمثال محمد شحرور وورثة مدرسته وداعميها من الأفراد والمؤسسات الدولية الكبرى، فهؤلاء يُحذََّرُ منهم، وتأخذ كل قضية قدْرَها، أمَّا الكلام في أشخاص ماتوا منذ قرون وإثارة الفتن والخلافات لذلك فهذا مذموم قطعاً، وهو مخالفٌ للمقصد الشرعي، فالنبي ﷺ غضِبَ ورؤيَ في وجهه الغضب عند اختلاف الصحابة في آية!

ونعوذ بالله مما يُغضبُ اللهَ ويُغضبُ رسولَه ﷺ، فمن أهم نقاط الاقتداء بالنبي ﷺ وتعظيمه وتعظيم سنته أن ترى المواطن التي غضب منها فتجتنبها، وأن ترى المواطن التي ضحِك منها وأعجبته وسُرَّ بها فتحرصَ على تحقيقها وعلى فهم مقاصدها.
فلو كان التفرق والتنازع في القرآن مذموماً، فيكون ذمُّه في غير القرآن من باب أولى، خاصةً في المسائل التي لا ينبني عليها كبيرُ مصلحةٍ للإسلام والمسلمين.

3- كان النبي ﷺ يكره الخلافَ ويغضبُ منه، ففي رواية: "فَعَرفْتُ في وَجْهِهِ الكَرَاهِيِة"، وفي رواية: "فَعَرفْتُ في وَجْهِهِ الغَضَب".

4- حَفِظَتْ لنا السنَّةُ النبويةُ كلَّ ما يتعلق بالنبي ﷺ، حفظتْ لنا مداخلَه ومخارجَه وسرورَه وغضبَه وفرَحَه وغزواتِه وذهابَه ومجيئَه، حتى حفظت لنا مشاعرَه(²)، وهذا بابٌ عظيمٌ ينبغي أن يعتنيَ به من يسعى لأن يعيش مع سنَّةِ المصطفى ﷺ، فلا ينبغي أن نتعامل مع السنَّةِ بتحليل الألفاظ فحسب وكأننا نتعامل مع نصٍّ فلسفيٍّ ما، بل لا بد أن نتعامل معها بروحٍ وحياة.
______________

(1) مسلم (2666).
(2) انظر: مقطع تأثير المشاعر على وجه النبي ﷺ.

الشيخ أحمد بن يوسف السيد